ميرزا محمد حسن الآشتياني
155
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
فليس معناه عند التحقيق كون الواجبات السّمعيّة منطبقة على الواجبات العقليّة بحيث يحكم العقل بها تفصيلا على تقدير علمه بجهات الأحكام وكاشفة عنها بهذه الملاحظة على وجه الإجمال بل كونها مقرّبة إلى الواجبات العقليّة التي استقل العقل بها مع قطع النظر عن الشارع كردّ الوديعة ونحوه كما يشير إليه قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وإن كان تقريبها إليها من جهة اشتمالها على ما يوجب كمال النفس والتشبّه بالروحانيّين فلعلّه قدس سره لاحظ الجهة المذكورة فتأمل وكيف كان الظاهر من القضيّة المذكورة في كلمات المتكلّمين ما ذكرنا كما صرّح به قدس سره في مجلس البحث ( قوله ) قدس سره قلت أوّلا إن مسألة البراءة والاحتياط إلخ ( 1 ) ( أقول ) قد يناقش فيما أفاده بأن ابتناء الكلام في المسألة على مذهب الأشعري مضافا إلى ما فيه لا يجامع التمسّك للقول بالبراءة في مفروض البحث بقاعدة قبح العقاب من غير بيان عقلا ( نعم ) التمسّك بالدليل العقلي ممّا لا غبار فيه على مذهبهم نعم ما أفاده يستقيم على ما ذهب إليه بعض المتأخرين ممن قال بوجوب الاحتياط في المقام إلا أنه بنى المسألة على جريان قاعدة الاشتغال من غير التفات إلى ما ذكر من الوجه ( قوله ) قدس سره وثانيا أن نفس الفعل إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) حاصل ما أفاده ثانيا هو أن للأمر الشرعي جهتين جهة ابتنائه على المصلحة وكون الواجب لطفا في غيره على مذهب العدليّة وهي الجهة الإرشاديّة في الأوامر وجهة المولويّة المستتبعة لوجوب الإطاعة وحرمة المعصية ولمّا تعذّر تحصيل القطع بالجهة الأولى في المقام من جهة احتمال اعتبار قصد الوجه في حصول الإطاعة المعتبرة في تحقّق المصلحة اتفاقا من حيث كون الفعل عبادة لا يترتّب عليه أثر بدون الامتثال فإنّ من صرّح من العدليّة بكون الواجبات السمعيّة ألطافا في الواجبات العقليّة التزم باعتبار قصد الوجه أو معرفته في حصول الإطاعة والمفروض عدم إمكانهما من جهة تردّد الواجب بالفرض ولم يقتض الجهة الثانية إلا التخلّص عن تبعة العقاب والتضرّر بحكم العقل وهو يأمن المكلّف من العقاب بالنظر إلى قاعدة القبح فيحكم بالبراءة والاكتفاء بفعل الأقلّ هذا حاصله [ في المناقشة على ما أفاده المصنّف من وجوه ] وقد يناقش فيه ( أوّلا ) بأن النزاع والبحث في المقام يجري في التوصّليّات أيضا كالتعبّديات لا في البحث عن حكم مطلق الواجب المردّد غاية الأمر وقوع التمثيل في كلماتهم بالتعبّديات وهو لا يكون مختصّا كما هو ظاهر وما له لا يجري في التوصّليّات قطعا لعدم اعتبار حصول الإطاعة في ترتب المصلحة الموجبة لوجوبها وإن اعتبر في استحقاق الثواب عليها لفرض كونها توصّليّة لا يعتبر فيها قصد القربة فضلا عن قصد الوجه وتتميم المدّعى فيها بعدم القول بالفصل وإجماع المركّب مع كونه معارضا بالمثل مما لا معنى له أصلا كما لا يخفى ودعوى أن الواجب العقلي في جميع الواجبات الإطاعة إلّا أنه في التوصّلي يرتفع موضوع الأمر إذا أتى به بغير قصد الطاعة كما أن الأمر كذلك في بعض الموارد في التعبّدي أيضا لا ينفع فيما هو المقصود بالمقام على تقدير تسليمها كما لا يخفى ( وثانيا ) بأن بناء جماعة وإن كان على اعتبار قصد الوجه في صحة العبادة إلا أنه يخالف ما بنى قدس سره عليه الأمر وفاقا للمحققين من عدم اعتباره على ما أسمعناك وأسمعك في الجزء الأول من الكتاب حتى مع العلم التفصيلي بالوجه ودعوى كون ما أفاده من باب الإلزام على الخصم فاسدة فإنه إنما يتمّ فيما لو كان الخصم ممن يذهب إلى اعتبار قصد الوجه وليس الأمر كذلك إذ كثيرا ممّن التزم بوجوب الاحتياط في المقام رأيناهم لا يلتزمون باعتباره فراجع إلى كلماتهم ( وثالثا ) بأنه لا يتمّ حتى على مذهب القائلين باعتبار قصد الوجه ضرورة كون اعتباره عندهم مشروطا بالتمكّن من تحصيل الوجه ولو ظنّا وسقوطه في ظاهر كلماتهم بل مقطوعها في صورة عدم التمكّن لأن أحدا لم يذهب إلى إنكار حسن الاحتياط في المقام بل صريحها الإطباق على ذلك فكيف ذلك عن الشرط المذكور والقول بإمكان قصد الوجه في المقام إجمالا أو تفصيلا ولو كان هو الوجه الظاهري على كلا القولين والمذهبين في المقام مضافا إلى ما فيه هدم لما أفاده من الجواب كما لا يخفى ( ورابعا ) بأن احتمال اعتبار قصد الوجه في مفروض البحث لا يجامع القطع بوجوب الواجب ضرورة كون قضيّة احتمال اعتباره مطلقا مع فرض ابتناء الحكم على المصلحة التي لا يعلم بحصولها عدم حصول القطع بالوجوب المعلول لها فيشكّ في أصل الوجوب فيرجع إلى البراءة بالنسبة إليه وهو خلف إلى غير ذلك من المناقشات فالأولى في الجواب عن السؤال التشبث بذيل ما ذكرنا سابقا في الاستدلال بهذا الوجه فإنه لا مناص عنه ( قوله ) قدس سره نختار هنا أن الجهل مانع عقليّ إلى آخره ( 3 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن المراد من توجيه التكليف هو فعليّة المقتضية لاستحقاق العقوبة والمؤاخذة على المخالفة لا مجرّد التعلّق الواقعي فإنه غير منكر في المقامين بل في الشك في التكليف أيضا ضرورة استحالة اشتراط تعلّق التكليف الواقعي بالعلم على ما عرفت الكلام فيه مرارا مضافا إلى أنه أمر لا سترة فيه أصلا من غاية وضوحه كما أن ما أفاده من استقلال العقل في الحكم بقبح توجيه التكليف به بالنسبة إلى الجزء المشكوك بحيث يورث تركه العقاب على ترك الكل المسبّب عنه على تقدير جزئيّته في نفس الأمر ممّا لا غبار ولا شبهة فيه عند من لم يسبق ذهنه بالشبهات على ما عرفت بعض القول فيه مثل وضوح ما أفاده في فساد المعارضة بقبح المؤاخذة على ترك الأقل من حيث الجهل بوجوبه النفسي فإنه من القضايا الأوليّة عند ذوي الأفهام المستقيمة ضرورة أن المحرّك العقلي والباعث على حكمه بلزوم الإقدام على الفعل هو دفع العقاب المترتّب عند ترك الإقدام وأمّا حيثيّة كون العقاب على ترك نفس المتروك أو ترك ما هو مسبّب عن تركه فملقاة في نظر العقل قطعا وإن هو إلّا نظير المائع الذي يقطع الشخص بأن شربه يوجب هلاكه لكن لا يعلم أن هلاكه من جهة تأثير نفسه في ذلك أو من تأثير يكون شربه سببا له فإنه لا شبهة في إلزام العقل بترك شربه مع عدم علمه بأن الهلاكة المترتبة من معلولات نفسه وهذا أمر ظاهر لمن له وجدان سليم ( قوله ) قدس سره أما الأوّل فلأن عدم جواز المخالفة القطعيّة إلخ ( 4 ) ( أقول ) عدم جريان ما ذكر سند المنع كون الجهل مانعا في المتباينين من توجّه الخطاب بالواقع المعلوم إجمالا المجهول تفصيلا من استلزامه المخالفة القطعيّة على تقدير القول بالمانعية في المقام من الأمور الواضحة لأن لزومه كان من